الشيخ محمد الصادقي الطهراني
391
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) . هنا لا يحتّم - قضية حائطة الحوار وأدبه الأريب - أنه على بينة من ربه ، وإنما « إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » تقديما ل « أرأيتم » تحريضا لتحرّيهم عما يدعيه لكي يصدقوه على بينة أم يكذبوه على بينة ، حثا على إعمال الرأي في إمكانية كونه على بينة من ربه ، ومن ثم واقعه ، وقد كان واقعا عمّي عليهم بسوء تقصيرهم ، وتفسير هم لكيان نوح والذين آمنوا معه . ثم « وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ » خاصة بين البشر وهي الرحمة الروحية المتميزة الرسالية بعصمتها وبلاغها ، أترون اللّه بخيلا أم عاجزا لا يستطيع على إتياني رحمة من عنده ؟ . ف « كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » تعني بينة الرسالة الربانية الخاصة ، البينة من حالي وفعالي وأعمالي وكما « قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ » حيث التربية الرسالية الربانية باهرة فينا ، ظاهرة علينا ، فهذه بينة البرهان ، وأما المبرهن عليه ف « وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ » تبينها اني « عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » « فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ » تلك البينة وهذه الرحمة إذ أنتم حاصرون الرحمة في المعطيات الحيوانية الظاهرة ، حاسرون عن المعطيات الإنسانية الزاهرة . فلقد أعماكم عن هذه وتلك أنفسكم الأمارة بالسوء ، والشياطين المؤمّرون عليكم بالسوء ، فعميت أبصاركم - الفطرية والعقلية ، بل والحسية - عن إبصار الحق المرام ، فلا تبصر إلّا ظاهرا من الحياة الدنيا « أَ نُلْزِمُكُمُوها » رؤية للبينة فتصديقا للرحمة « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » والكاره للحق ليس ليكره على قبول الحق ولا سيما إذا « جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » و « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » إذ « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . وبما أن الرحمة لا توصف بالعمى ، وإنما يوصف الناس بها عن تمييز مواقعها وإدراك مواضعها ، فلما وصفوا بالعمى عنها حسن أن يوصف بذلك في القلب ، كما يقال : أدخلت الخاتم في أصبعي والمغفر في رأسي ، وإنما الداخل هو الأصبع والرأس . أم إنها تعني أخفيت عليكم كما يقال : عمي عليّ خبرهم ، وعمي عليّ أثرهم ، أيخفي